الاقتباسات بترجمتنا، يليها النص الإنجليزي الأصلي. حيث يوجد نص عربي رسمي نستخدمه ونورد الإنجليزي بعده.
يدور كثير مما يُكتب عن الذكاء الاصطناعي حول المستقبل، أما هذه الصفحة فعن الحاضر. ففي أنحاء الخليج أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من الطريقة التي يراجع بها الناس الطبيب، ويتعلّم بها الأبناء، ويتنقّل بها بعضنا، وينجز بها المقيمون معاملاتهم الحكومية. ليس أيٌّ من هذه الأمثلة كاملًا، وسنشير إلى مواضع الحذر. لكنها مجتمعةً تُظهر الذكاء الاصطناعي أقرب إلى البنية التحتية منه إلى التهديد: نافعًا، يتحسّن تدريجيًا، ويعمل في الغالب بعيدًا عن الأنظار.
الصحة: رعاية تصل إلى أبعد
مستشفى افتراضي لبلد بأكمله. تدير وزارة الصحة السعودية مستشفى صحة الافتراضي، حيث يساند الأطباء الاستشاريون زملاءهم في المستشفيات البعيدة عبر الاتصال المرئي والأدوات الرقمية، فيحصل المريض في مدينة صغيرة على رأي تخصصي دون عناء السفر. وتقول الوزارة إن الخدمة تساند أكثر من 240 مستشفى في عشرات التخصصات، وتخدم مئات الآلاف من المستفيدين سنويًا. وفي أغسطس 2026 أعلنت ربط 241 مستشفى وأكثر من 1,400 مركز صحي (صفحة المشروع في وزارة الصحة؛ خبر الوزارة، 9 أغسطس 2026). وقد سجّلته موسوعة غينيس للأرقام القياسية أكبرَ مستشفى افتراضي في 2024. ليس كل ذلك «ذكاءً اصطناعيًا» بالمعنى الدقيق، فمعظمه تطبيب عن بُعد، لكنه الأساس الرقمي الذي تُبنى عليه أدوات الذكاء الاصطناعي في فرز الحالات والتصوير الطبي وجدولة المواعيد.
طبّ يناسب سكان المنطقة. يعمل برنامج الجينوم الإماراتي، الذي أطلقته دائرة الصحة في أبوظبي عام 2019، على تحليل جينومات المواطنين الإماراتيين المتطوعين. وفي يناير 2025 أفادت صحيفة ذا ناشيونال بجمع قرابة 800,000 عيّنة (ذا ناشيونال). وتصف ورقة بحثية أولية (غير محكّمة بعد) صادرة في 2025 تسلسلَ أكثر من 500,000 جينوم كامل بين 2020 و2024، مرتبطة بمنصة «ملفّي» (Malaffi) لتبادل المعلومات الصحية في أبوظبي (medRxiv، أكتوبر 2025). لماذا يهمّ هذا؟ لأن معظم الأبحاث الجينية في العالم أُجريت على أشخاص من أصول أوروبية. وقاعدة بيانات إقليمية كبيرة، تُحلَّل بالذكاء الاصطناعي، تساعد الأطباء على رصد المخاطر الوراثية مبكرًا واختيار علاجات أنسب لأهل المنطقة.
ما يستدعي الحذر: البيانات الجينية والصحية من أكثر المعلومات خصوصية على الإطلاق. والموافقة المستنيرة، والأمن، والقواعد الواضحة بشأن من يحق له الاطلاع عليها ليست إضافات اختيارية، بل هي ما يجعل هذه البرامج جديرة بالثقة. (انظروا المخاوف في ميزان الواقع: المراقبة والخصوصية.)
التعلّم: الذكاء الاصطناعي مادةً دراسية، لا مجرد أداة
منذ العام الدراسي 2025–26 جعلت الإمارات الذكاء الاصطناعي مادة رسمية في المدارس الحكومية من رياض الأطفال حتى الصف 12. يدرّسها نحو 1,000 معلّم ومعلّمة، ويُخصَّص قرابة ربع المنهج للأخلاقيات (غلف نيوز، 23 أغسطس 2025). وهذا التركيز يستحق التأمل: فالغاية ليست أن يستخدم الأبناء الذكاء الاصطناعي فحسب، بل أن يعرفوا متى يسائلونه.
وللكبار أيضًا برامج واسعة لبناء المهارات. فقد التزمت مايكروسوفت، مثلًا، بالمساعدة في تدريب مليون شخص في الإمارات بحلول نهاية 2027 (مايكروسوفت، 3 نوفمبر 2025).
والناس في الإمارات يستخدمون هذه الأدوات على نطاق واسع بالفعل. إذ تشير بيانات الاستخدام الخاصة بمايكروسوفت إلى أن 73.3% من السكان في سن العمل في الإمارات استخدموا منتجًا للذكاء الاصطناعي التوليدي في يونيو 2026، وهي أعلى نسبة بين جميع الدول التي قاستها، مقابل متوسط عالمي قدره 18.8% (تقرير مايكروسوفت لانتشار الذكاء الاصطناعي، 21 سبتمبر 2026). وتنبّه مايكروسوفت إلى حدود منهجيتها. أما مؤشر الذكاء الاصطناعي الصادر عن جامعة ستانفورد فيعتمد منهجية مختلفة ويورد رقمًا أدنى (54%)، لذا لا تصحّ المقارنة المباشرة بين الرقمين.
التنقّل: سيارات أجرة ذاتية القيادة، بخطى محسوبة
في 30 مارس 2026 بدأت هيئة الطرق والمواصلات في دبي التشغيل التجاري لسيارات الأجرة ذاتية القيادة في منطقتي أم سقيم وجميرا، بنحو 100 مركبة تشغّلها WeRide (عبر أوبر) وApollo Go التابعة لبايدو (وام؛ المكتب الإعلامي لحكومة دبي). وتستهدف استراتيجية الهيئة بعيدة المدى أن تكون 25% من الرحلات في دبي ذاتية القيادة بحلول 2030 (هيئة الطرق والمواصلات). وهذا هدف، لا توقّع. كما أقرّت الإمارات قانونًا للمرور يشمل المركبات ذاتية القيادة، اعتُمد في جلسة مجلس الوزراء نفسها التي اعتُمد فيها ميثاق الذكاء الاصطناعي في يونيو 2024.
والنهج التدريجي بحدّ ذاته مطمئن: بدأ التشغيل في مناطق محددة، بأسطول محدود، تحت إشراف جهة تنظيمية معروفة، وبعد أن اكتمل الإطار القانوني أولًا.
المعاملات الحكومية: أوراق أقل، ووقت أكثر
حكومات الخليج من أكثر حكومات العالم طموحًا في نقل الخدمات إلى الفضاء الرقمي، والذكاء الاصطناعي هو الخطوة التالية.
- أبوظبي تستثمر 13 مليار درهم ضمن استراتيجيتها الرقمية 2025–2027، وهدفها المعلن أن تصبح «أول حكومة في العالم قائمة بالكامل على الذكاء الاصطناعي في جميع خدماتها الرقمية بحلول 2027» (الأصل: "the world's first fully AI-native government across all digital services by 2027")، بأكثر من 200 حلّ قائم على الذكاء الاصطناعي (دائرة التمكين الحكومي في أبوظبي). ووصف «الأولى في العالم» (الأصل: "world's first") هو طموح الحكومة نفسها، و2027 موعد مستهدف.
- على مستوى الحكومة الاتحادية، أعلنت الإمارات في 23 أبريل 2026 منظومة جديدة تهدف إلى تحويل 50% من قطاعات الحكومة وخدماتها وعملياتها إلى «الذكاء الاصطناعي الوكيل» (Agentic AI) خلال عامين، أو بحسب التسمية الرسمية العربية: «نماذج الذكاء الاصطناعي ذاتية التنفيذ والقيادة». والمقصود به برمجيات قادرة على تنفيذ سلسلة من المهام بنفسها، لا الاكتفاء بالإجابة عن الأسئلة. ويصف الإعلان الرسمي تطبيقًا مرحليًا على مستوى الوزارات يعتمد على «القياس المستمر للأداء وتقييم الأثر» (النص الإنجليزي: "based on continuous performance and impact assessment")، والتزامًا بتدريب جميع موظفي الحكومة الاتحادية على استخدام الذكاء الاصطناعي. وقال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «وسيبقى الهدف الأساسي الإنسان» (النص الإنجليزي: "People come first") (المكتب الإعلامي لحكومة دبي؛ خليج تايمز؛ النص العربي: المكتب الإعلامي لحكومة دبي، بالعربية). واعتمدت الجلسة نفسها سياسة لمشاركة بيانات الخدمات الحكومية تقوم على مبدأ «طلب البيانات مرة واحدة» (النص الإنجليزي: "collecting data once") مع حماية الخصوصية وأمن المعلومات. والأفق الزمني البالغ عامين (أي نحو أبريل 2028) هدفٌ، وتصفه الإمارات بأنه الأول من نوعه عالميًا، وكلا الأمرين من توصيف الحكومة نفسها.
- وفي وقت أسبق، في أبريل 2025، اعتمد مجلس الوزراء الإماراتي «منظومة التشريعات الذكية» (Regulatory Intelligence Ecosystem)، التي تستعين بالذكاء الاصطناعي في رصد القوانين والأحكام القضائية والخدمات، وتتبّع أثرها، واقتراح تحديثها، مع بقاء اعتماد التشريعات وإصدارها مسؤوليةً بشرية (وام، أبريل 2025؛ جرى التحقق عبر البحث، ويُعاد التحقق منه).
وللمقيمين وعدٌ بسيط: نماذج أقل، وزيارات أقل، وإجابات أسرع، وكثيرًا ما تكون بالعربية والإنجليزية معًا. والسؤال المنصف الذي يجدر أن نواصل طرحه: هل يظل الوصول إلى موظف بشري ممكنًا حين تكون الحالة غير مألوفة؟ الحكومة الرقمية الجيدة تُبقي هذا الباب مفتوحًا.
الوظائف: تحوّل تدريجي، لا هاوية
هذا هو المجال الذي يقلق فيه الناس أكثر من غيره، لذا نحرص هنا على الدقة.
يتوقع مسح أصحاب العمل الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي استحداث نحو 170 مليون وظيفة وإزاحة 92 مليونًا عالميًا بحلول 2030، أي بصافي زيادة يقارب 78 مليون وظيفة، مع تغيّر 22% من الوظائف بشكل أو بآخر (المنتدى الاقتصادي العالمي، 8 يناير 2025). وهذه توقعات أصحاب العمل، لا ضمانات. ويقدّم التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي 2026، وهو تقرير مستقل، قراءة أكثر حذرًا: «تُظهر الأدلة الأولية عدم وجود أثر على إجمالي التوظيف» (الأصل: "early evidence shows no effect on overall employment")، مع بعض المؤشرات على تراجع الطلب على العاملين في بداية مسيرتهم المهنية في بعض المهن الأكثر تعرّضًا للذكاء الاصطناعي، واختلاف الاقتصاديين حول ما سيأتي لاحقًا (الملخص التنفيذي، 3 فبراير 2026).
وفي الخليج تظهر وظائف جديدة في مراكز البيانات والطاقة وسلامة الذكاء الاصطناعي وحوكمته، وفي خدمات لم تكن ممكنة لولاه. والرسالة الصادقة أن بعض المهام ستتغير أو تختفي، وبعض الأدوار ستتوسع، ومن يتعلّم العمل جنبًا إلى جنب مع هذه الأدوات سيكون في أقوى موقع. نتناول ذلك بتعمّق في المخاوف في ميزان الواقع: فقدان الوظائف.
ما يزال يستدعي العناية
- الخصوصية والموافقة في ما يخص البيانات الصحية والجينية وبيانات الموقع.
- سهولة الوصول: يجب أن تظل الخدمات صالحة لكبار السن، ولأصحاب الهمم، ولمن مهاراتهم الرقمية محدودة أو معرفتهم بالعربية أو الإنجليزية محدودة.
- اللجوء إلى إنسان: ينبغي أن يبقى دائمًا سبيل للوصول إلى شخص حقيقي، وللاعتراض على أي قرار آلي.
- الأدلة: الأهداف مثل «25% من الرحلات بحلول 2030» و«حكومة قائمة على الذكاء الاصطناعي بحلول 2027» و«50% من العمل الحكومي بالذكاء الاصطناعي الوكيل بحلول 2028» ينبغي أن يُبلَّغ عنها بأمانة، سواء تحققت أو تأخرت أو تغيّرت.
ماذا يعني هذا لكم؟
لستم بحاجة إلى أن تصبحوا خبراء في الذكاء الاصطناعي كي تستفيدوا منه. ربما تستخدمونه أصلًا حين تحجزون موعدًا طبيًا، أو تجدّدون وثيقة، أو تسألون محادثًا آليًا عن الطريق. حافظوا على فضولكم وحسن تقديركم: استخدموا الأدوات، وتحقّقوا من الإجابات، واحموا بياناتكم، وتوقّعوا أن تبقى الخدمات إنسانية حين يكون لذلك وزن.