الاقتباسات بترجمتنا، يليها النص الإنجليزي الأصلي.
حين يدور الحديث عن «الذكاء الاصطناعي في الخليج»، كثيرًا ما يبدو الأمر مجرّدًا: اتفاقيات، وجيجاواطات، وصناديق بمليارات الدولارات. تحاول هذه الصفحة أن تجعله ملموسًا. يقوم الذكاء الاصطناعي الحديث على أربعة أسس: الحواسيب التي تُدرَّب عليها النماذج وتُشغَّل، والكهرباء التي تغذّيها، والنماذج نفسها، والإنسان الذي يبني ذلك كله ويرعاه. ولكلٍّ منها نوضّح ما هو قائم اليوم، وما أُعلن عنه فقط، وما يزال غير محسوم.
مصطلحات بلغة بسيطة
- القدرة الحاسوبية (Compute): قوة المعالجة المستخدمة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها. تأتي في الغالب من رقائق متخصصة تُسمّى وحدات معالجة الرسومات (GPU)، تُركَّب في مبانٍ ضخمة تُعرف بمراكز البيانات.
- الميجاواط (MW) والجيجاواط (GW): وحدتان لقياس القدرة الكهربائية؛ فالجيجاواط الواحد يساوي 1,000 ميجاواط. وعندما يوصف مركز بيانات بأنه «1GW»، فالمقصود القدرة الكهربائية التي صُمّم لاستهلاكها، لا مقدار «ذكائه».
- النموذج / النموذج اللغوي الكبير (LLM): برنامج دُرِّب على كميات هائلة من النصوص ليجيب عن الأسئلة ويلخّص ويكتب. أما «المُعامِلات» (Parameters) فهي الإعدادات الداخلية التي يكتسبها النموذج أثناء التدريب، وتُعدّ مقياسًا تقريبيًا لحجمه.
- الأوزان المفتوحة / المصدر المفتوح: أي أن النموذج المدرَّب منشور، يستطيع الآخرون تنزيله وفحصه والبناء عليه.
1. الحوسبة: خطط كبيرة، وتمييز لا بدّ منه
تدور معظم الأرقام اللافتة في المنطقة حول مراكز البيانات، لذا يحسن أن نقرأها على مهل.
في الإمارات، وصفت سفارة الولايات المتحدة «مجمّع الذكاء الاصطناعي الإماراتي الأمريكي» بقدرة 5 جيجاواط، الذي كُشف عنه في أبوظبي في 15 مايو 2025، بأنه الأكبر من نوعه خارج الولايات المتحدة. وقد خُطّط له على مساحة 10 أميال مربعة، على أن يُغذّى بمزيج من الطاقة النووية والشمسية والغاز. ويذكر البيان نفسه أن القدرة الحاسوبية ستُخصَّص لكبار مزوّدي الحوسبة السحابية الأمريكيين ولمزوّدي السحابة المعتمدين، وفق قواعد «اعرف عميلك» الهادفة إلى منع تحويل التقنية إلى جهات أخرى (سفارة الولايات المتحدة في الإمارات). وضمن هذا المجمّع أعلنت OpenAI في 22 مايو 2025 عن مشروع «ستارغيت الإمارات» (Stargate UAE): عنقود حوسبة بقدرة 1 جيجاواط، مرحلته الأولى بقدرة 200 ميجاواط، وقالت الشركة إنه يُتوقع تشغيلها في 2026 (OpenAI).
وإلى جانب هذه الأرقام ملاحظتان صريحتان. الأولى: خطة الجيجاواط هدفٌ تصميمي، لا منشأة عاملة. وحتى 28 سبتمبر 2026 لم نعثر على تأكيد رسمي بأن المرحلة الأولى (200 ميجاواط) قد دخلت الخدمة. والثانية: أن الخطة نفسها تغيّرت. فبعد ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت مراكز بيانات في مارس 2026، أفادت رويترز (11 سبتمبر 2026، نقلًا عن أربعة مصادر) بأن المجمّع يُعاد تصميمه ليصبح شبكة من المواقع المتفرّقة الأكثر تحصينًا، فيما تقول G42 إن العمل يسير وفق الخطة (ملخّص CNBC). نتناول ذلك بتفصيل أكبر في صفحة الصمود في 2026.
في السعودية، أعلنت شركة «هيوماين» (HUMAIN) المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، في 19 نوفمبر 2025، أنها تعتزم نشر ما يصل إلى 600,000 وحدة معالجة رسومات من إنفيديا (NVIDIA) على مدى ثلاث سنوات، في المملكة وفي الولايات المتحدة. وأعلنت كذلك شبكة مراكز بيانات مع xAI محورها منشأة بقدرة 500 ميجاواط أو أكثر، و«منطقة ذكاء اصطناعي» (AI Zone) في الرياض مع AWS تضم ما يصل إلى 150,000 وحدة معالجة رسومات (بيان هيوماين). ويتضمن البيان التحفّظ المعتاد بشأن «البيانات التطلّعية» (الأصل: "forward-looking statements"). هذه خطط، ونعرضها بوصفها خططًا.
الرقائق تحتاج إلى إذن. تخضع رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة لقيود التصدير الأمريكية. وفي نوفمبر 2025 أذنت وزارة التجارة الأمريكية لكلٍّ من G42 وهيوماين بشراء ما يعادل 35,000 رقاقة GB300 من إنفيديا كحدّ أقصى لكلٍّ منهما، بشروط تتعلق بالأمن والإبلاغ (ذا ناشيونال). وهذا يرسم ملامح القصة الإقليمية كلها: فتوسّع الخليج في القدرة الحاسوبية يجري ضمن علاقة أمنية وثيقة مع الولايات المتحدة، لا بمعزل عنها.
لماذا يهمّ هذا الناسَ، لا المهندسين وحدهم؟ وجود الحوسبة محليًا يعني تأخيرًا أقل في الخدمات المستخدمة داخل المنطقة، ويتيح للحكومات والمستشفيات إبقاء البيانات الحساسة داخل الدولة، ويمنح الباحثين المحليين أجهزة لم تكن متاحة سابقًا إلا في الخارج. وتقول OpenAI، على سبيل المثال، إن عنقودًا في الإمارات يمكن أن يخدم الناس ضمن دائرة نصف قطرها 2,000 ميل، «تصل إلى نحو نصف سكان العالم» (الأصل: "reaching up to half the world's population"). وهذا ادعاء الشركة نفسها عن نطاق الوصول، لا قياسٌ للاستخدام الفعلي.
2. الكهرباء: ميزة المنطقة الهادئة
يستهلك الذكاء الاصطناعي كثيرًا من الكهرباء، لكن من المفيد وضع ذلك في حجمه الصحيح. تقدّر الوكالة الدولية للطاقة (IEA) أن مراكز البيانات استهلكت نحو 1.5% من كهرباء العالم في 2024 (قرابة 415 تيراواط ساعة)، وتتوقع أن يبلغ الاستهلاك نحو 945 تيراواط ساعة بحلول 2030. وتخلص أيضًا إلى أن مراكز البيانات تمثّل قرابة عُشر نموّ الطلب العالمي على الكهرباء حتى 2030، وهو أقل مما يمثّله التكييف أو السيارات الكهربائية أو المحرّكات الصناعية (الوكالة الدولية للطاقة، الطاقة والذكاء الاصطناعي، 10 أبريل 2025). وحكمها العام متّزن: «يبدو أن المخاوف من أن يسرّع الذكاء الاصطناعي تغيّر المناخ مبالغٌ فيها، وكذلك التوقعات بأن الذكاء الاصطناعي وحده سيعالج المشكلة» (الأصل: "Concerns that AI could accelerate climate change appear overstated, as do expectations that AI alone will address the issue.").
وينطلق الخليج من موقع غير مألوف: أراضٍ واسعة، وموارد شمسية قوية، وبنية تحتية راسخة للغاز، وطاقة نووية في الإمارات. فقد بلغت محطة براكة للطاقة النووية التشغيل الكامل بوحداتها الأربع في 5 سبتمبر 2024، وتقول الجهة المشغّلة لها، مؤسسة الإمارات للطاقة النووية (ENEC)، إنها تولّد نحو 40 تيراواط ساعة سنويًا، أي «ما يصل إلى 25% من احتياجات الإمارات من الكهرباء» (الأصل: "up to 25% of the UAE's electricity needs") (مؤسسة الإمارات للطاقة النووية). والإمداد الثابت منخفض الكربون مهمّ لمراكز البيانات التي تحتاج إلى الكهرباء على مدار الساعة.
وتشير الوكالة الدولية للطاقة كذلك إلى أمر نادرًا ما يتصدّر العناوين: يمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل الشبكات الكهربائية نفسها أكثر موثوقية. فهي تقدّر أن اكتشاف الأعطال بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي قد يقلّص مدة الانقطاعات بنسبة 30–50%. ولمنطقة تبني مدنًا وشبكات جديدة بسرعة، فهذه فائدة عملية لا تخمينية.
3. النماذج: عربية، ومفتوحة، وتزداد قدرة
ظلّت أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي لسنوات طويلة تُبنى كلها تقريبًا في الولايات المتحدة والصين، وتُدرَّب في معظمها على نصوص إنجليزية وصينية. أما اليوم فيسهم الخليج بنماذج خاصة به، وكثير منها منشور علنًا.
- فالكون (الإمارات، معهد الابتكار التكنولوجي TII). في 5 يناير 2026 أطلق المعهد نموذج Falcon H1R 7B، وهو نموذج «استدلالي» صغير. ويقول المعهد إنه يتفوّق على عدد من النماذج المفتوحة الأكبر في مقاييس معيارية رئيسية، ويحقق 88.1% في اختبار الرياضيات AIME-24. وقد صدر بموجب رخصة Falcon TII (معهد الابتكار التكنولوجي). هذه التصنيفات ادعاءات المعهد، وينبغي مراجعة التقييمات المستقلة قبل تكرارها.
- K2 Think وجيس (الإمارات، جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وG42). أُطلق K2 Think في 9 سبتمبر 2025، وهو نظام استدلالي بحجم 32 مليار مُعامِل. ونشر مطوّروه بيانات التدريب والأوزان والشيفرة البرمجية، وهي درجة انفتاح غير معتادة (G42). أما «جيس» (Jais)، الذي صدر أول مرة في 2023، فنموذج يتمحور حول اللغة العربية من المنظومة نفسها.
- علّام وهيوماين تشات (السعودية). أُطلق «هيوماين تشات» في أغسطس 2025، ويعمل بنموذج ALLaM 34B، وهو نموذج ثنائي اللغة يضع العربية أولًا، نشأ في المركز الوطني للذكاء الاصطناعي التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا).
- فنار (قطر). دشّنه معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، رئيس مجلس الوزراء، في 10 ديسمبر 2024، وطوّره معهد قطر لبحوث الحوسبة (QCRI) في جامعة حمد بن خليفة. وتقول الجامعة إنه استند إلى أكثر من 300 مليار كلمة، بمساهمات من وزارة الأوقاف ومكتبة قطر الوطنية وشبكة الجزيرة وغيرها (جامعة حمد بن خليفة).
لماذا تهمّ النماذج التي تضع العربية أولًا؟ وجد بحثٌ قُدّم في مؤتمر ACL 2024 أن كثيرًا من النماذج اللغوية، ومنها نماذج دُرّبت خصيصًا على العربية، كانت تميل إلى تفضيل الأسماء والأطعمة والأماكن الغربية حتى عند مخاطبتها بالعربية، بل وتقع أحيانًا في قوالب نمطية عن كيانات عربية (Naous et al., ACL 2024). والنماذج المدرَّبة على مصادر عربية مختارة بعناية، وبمشاركة مؤسسات من المنطقة، هي إحدى الاستجابات العملية لذلك. وهي ليست ضمانًا للإنصاف، لكنها خطوة نحو ذكاء اصطناعي يفهم الناس الذين يستخدمونه.
4. الإنسان: الأساس الأطول عمرًا
المباني والرقائق تتقادم سريعًا، أما المهارات فتبقى.
- الجامعات. جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي (MBZUAI) في أبوظبي، التي تأسست في 2019 بحسب بيان السفارة الأمريكية، استقبلت أول دفعة من طلابها في يناير 2021، وتصف نفسها بأنها أول جامعة بحثية للدراسات العليا متخصصة في الذكاء الاصطناعي.
- المدارس. منذ العام الدراسي 2025–26 أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا رسميًا من منهج المدارس الحكومية في الإمارات، من رياض الأطفال حتى الصف 12، ويُخصَّص نحو ربع المحتوى للأخلاقيات (غلف نيوز).
- المهارات على نطاق واسع. التزمت مايكروسوفت، ضمن استثمار بقيمة 15.2 مليار دولار في الإمارات بين 2023 و2029، بالمساعدة في تدريب مليون شخص في الإمارات بحلول نهاية 2027 (مايكروسوفت).
- حركة الكفاءات. يفيد تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026 الصادر عن جامعة ستانفورد، بحسب ما لخّصه موقع إقليمي، بأن الإمارات سجّلت أكبر زيادة في تركّز الكفاءات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي بين جميع الدول بين 2019 و2025، وأن السعودية حلّت رابعةً في صافي هجرة كفاءات الذكاء الاصطناعي إليها (Middle East AI News؛ يُراجَع مقابل تقرير ستانفورد نفسه).
ما لا نعرفه بعد
- هل ستُسلَّم القدرات الحاسوبية المعلنة (مئات الآلاف من وحدات معالجة الرسومات، وعدة جيجاواطات) في مواعيدها المعلنة، لا سيما تحت ضغط الحرب؟
- كم من هذه القدرات سيخدم الناس في المنطقة، وكم سيخدم عملاء حول العالم؟
- هل ستنتشر النماذج العربية المفتوحة على نطاق واسع، أم ستبقى في الغالب واجهات بحثية؟
- ما البصمة المائية والطاقية طويلة الأمد للمنشآت الجديدة في مناخ حار؟ ينبغي للمشغّلين نشر هذه البيانات.
ماذا يعني هذا لكم؟
إن كنتم تعيشون أو تعملون في الخليج، فالآثار العملية تدريجية لا مفاجئة: خدمات أسرع، وقدر أكبر من بياناتكم قد يبقى داخل الدولة، ومزيد من الدورات والوظائف والفرص البحثية قريبًا من الوطن. لا تحتاجون إلى متابعة إعلانات الجيجاواط كي تستفيدوا منها. ومع ذلك يبقى من المعقول أن نسأل عن كل إعلان: هل بُني؟ هل يعمل؟ ومن يخدم؟
المصادر مذكورة في متن النص. كل رقم في هذه الصفحة مسجّل في قاعدة الحقائق الخاصة بالمنصة مع مستوى التحقق منه، والادعاءات والتوقعات متابَعة في سجل الادعاءات.