الاقتباسات بترجمتنا، يليها النص الإنجليزي الأصلي.
من الطبيعي أن يقترن الذكاء الاصطناعي في الأذهان بالمخاطر في أوقات الحرب. فهو قابل لسوء الاستخدام، ولا ندّعي غير ذلك. لكن للقصة جانبًا أهدأ: فصنّاع السلام والوكالات الإنسانية والباحثون يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل لاستشعار الأزمات قبل وقوعها، ولمساعدة الناس على فهم بعضهم بعضًا، ولتوسيع دائرة من يُسمع صوتهم في محادثات السلام، وللتحقق مما هو صحيح. تتناول هذه الصفحة الأدوات التي استُخدمت فعلًا فقط، مع بيان حدودها بوضوح.
الأهم أولًا: الذكاء الاصطناعي لا يصنع السلام، بل يصنعه الناس. وفي أفضل أحواله، يساعدهم على أن يروا أبعد قليلًا، وأن يسمعوا أصواتًا أكثر قليلًا، وأن يضيّعوا وقتًا أقل على الأكاذيب.
1. رؤية الخطر مبكرًا: التنبؤ بالنزاعات
ما هو؟ يستخدم التنبؤ بالنزاعات الإحصاء وتعلّم الآلة (برمجيات تتعلم الأنماط من بيانات سابقة) لتقدير الأماكن التي يزداد فيها احتمال العنف خلال الأشهر المقبلة. والغاية ليست التنبؤ بالمستقبل عن يقين، بل منح الوكالات الإنسانية والحكومات وقتًا للاستعداد.
مثال فعلي: نظام VIEWS. يستضيف «نظام الإنذار المبكر بالعنف وآثاره» (VIEWS) كلٌّ من جامعة أوبسالا ومعهد أبحاث السلام في أوسلو (PRIO)، وينشر تنبؤات مفتوحة المصدر بالنزاعات المسلحة لمدة تتراوح بين 1 و36 شهرًا مقبلًا، تُحدَّث شهريًا. ويتضمن إصداره في يونيو 2026 تنبؤات تفصيلية على الخرائط لأفريقيا والشرق الأوسط. ومن مموّليه لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) عبر مشروع مشترك بين ViEWS والإسكوا، إلى جانب وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية البريطانية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وفي أبريل 2026 بدأ تعاونًا مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) في مجال «العمل الاستباقي» (anticipatory action)، أي التحرك قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها لا بعدها (VIEWS).
حدوده. التنبؤات احتمالات لا يقينيات، وتتوقف على جودة البيانات التي تستند إليها، وقد تخطئ. كما تطرح سؤالًا عن المسؤولية: فالإنذار المبكر لا ينفع إلا إذا تحرّك أحد بناءً عليه.
2. أن يفهم بعضنا بعضًا: الترجمة
ما هي؟ تتيح الترجمة الآلية للناس القراءة والتحدث عبر اللغات. وفي منطقة تتجاور فيها العربية والفارسية والكردية والتركية والعبرية ولهجات كثيرة، يهمّ هذا عمّال الإغاثة والصحفيين والمفاوضين والأسر العادية على السواء.
مثال فعلي: «لا لغة تُترك خلف الركب» (No Language Left Behind). يترجم نموذج NLLB-200 من Meta، المنشور في مجلة Nature في يونيو 2024، بين 200 لغة، منها لغات كثيرة «شحيحة الموارد» (low-resource) لم تكن الأدوات السابقة تخدمها جيدًا. ويفيد الباحثون بتحسّن متوسط قدره 44% في مقياس جودة معياري مقارنةً بالأنظمة السابقة، وقد أتاحوا نماذجهم وبياناتهم مجانًا للاستخدام غير التجاري (Nature، 5 يونيو 2024). وخلاصتهم متواضعة: النموذج «قطعة واحدة من أحجية ضخمة» (الأصل: "one piece of a massive puzzle")، وما يزال للتعليم والوصول إلى الإنترنت والثقافة الرقمية وزنهم.
إسهام الخليج. صُمّمت النماذج التي تضع العربية أولًا، مثل «فنار» (قطر) و«علّام» (السعودية) و«جيس» (الإمارات)، لتفهم العربية ولهجاتها أفضل من الأدوات العامة. فمطوّرو «فنار»، مثلًا، يصفون قدرة على التعرّف على الكلام تراعي اللهجات. وتقنيات اللغة العربية الأفضل ليست أداة سلام بحدّ ذاتها، لكن سوء الفهم كثيرًا ما يكون شرارة التوتر، والترجمة الأفضل تنزع أحد أسبابه.
حدودها. ما تزال الترجمة الآلية تخطئ، لا سيما في اللهجات والتعابير الاصطلاحية واللغة المشحونة عاطفيًا. وفي المفاوضات الحساسة يبقى المترجمون الفوريون من البشر ضرورة لا غنى عنها.
3. الإصغاء إلى أصوات أكثر: الحوار بمساعدة الذكاء الاصطناعي
ما هو؟ تجري محادثات السلام عادةً بين عدد قليل من الأشخاص في غرفة واحدة. أما أدوات الحوار بمساعدة الذكاء الاصطناعي فتتيح للوسيط إدارة حوار منظّم وآني مع المئات أو الآلاف في وقت واحد، إذ يجمع البرنامج الإجابات المتشابهة ويُظهر مواطن الاتفاق.
أمثلة فعلية: اليمن وليبيا.
- في يونيو 2020 عقد مكتب المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، بالتعاون مع إدارة الشؤون السياسية وبناء السلام في الأمم المتحدة، حوارًا رقميًا مع أكثر من 500 يمني. وتتيح الأداة لشخص واحد التحاور مع ما يصل إلى 1,000 شخص في الوقت الحقيقي. ووصفت الأمم المتحدة ذلك بأنه أول استخدام لهذه التقنية في عملية وساطة أممية جارية. وأقرّ المبعوث الخاص آنذاك، مارتن غريفيث، بحدودها، ومنها أن المشاركة لم تكن متاحة للجميع (مكتب المبعوث الخاص إلى اليمن، أغسطس 2020).
- ونظّمت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حوارات رقمية مماثلة مع ما يصل إلى 1,000 ليبي في المرة الواحدة في 2020–21 (ReliefWeb).
لماذا يهمّ ذلك؟ كثيرًا ما تغيب النساء والشباب والمجتمعات النازحة عن المفاوضات الرسمية. وهذه الأدوات لا تمنحهم مقعدًا إلى الطاولة، لكنها تضمن أن تصل آراؤهم إليها.
حدودها. يحتاج الناس إلى اتصال بالإنترنت وإلى وسيلة آمنة للمشاركة. والعيّنات الإلكترونية لا تكون ممثِّلة تمامًا أبدًا. ويبقى على الوسيط أن يقرّر ما يفعله بما يسمعه.
4. التحقق مما هو صحيح: التوثّق
ما هو؟ في أي نزاع تنتشر الصور ومقاطع الفيديو المزيّفة بسرعة، وقد بات الذكاء الاصطناعي يسهّل إنتاج تزييف مقنع. ويُدرج التقرير الدولي لسلامة الذكاء الاصطناعي 2026 الاحتيال والتزييف العميق والتلاعب ضمن أبرز الأضرار الحالية للذكاء الاصطناعي (الملخص التنفيذي). وأدوات التوثّق جزء من الحل.
مثال فعلي: «بيانات اعتماد المحتوى» (C2PA). ينشر «التحالف من أجل مصدر المحتوى وأصالته» (C2PA) معيارًا مفتوحًا يُرفق بالصورة أو الفيديو أو المستند سجلًّا يكشف أي عبث به. ويبيّن السجل مصدر الملف، وكيف عُدّل، وما إذا استُخدم الذكاء الاصطناعي في إنتاجه. وإذا تغيّر الملف أو سجله، يمكن اكتشاف التغيير (شرح C2PA). ويحرص واضعو المعيار أنفسهم على بيان ما يستطيعه وما لا يستطيعه: فهو «ليس علاجًا شاملًا للمعلومات المضللة» (الأصل: "is not a cure-all for misinformation")، ولا يحكم على صحة المحتوى، بل على سلامة تاريخه فقط. ويعمل جنبًا إلى جنب مع تدقيق الحقائق والتربية الإعلامية، ويتوقف نجاحه على انتشار اعتماده.
حدوده. معظم المحتوى على الإنترنت لا يحمل بيانات اعتماد بعد، ويستطيع ذوو النوايا السيئة حذف البيانات الوصفية. أدوات التوثّق تعين الحريصين، لكنها لا تُغني عن الحرص.
5. الدور المحتمل للخليج
تجلب دول الخليج إلى هذا العمل عدة عناصر:
- سجلّ في جمع الأطراف. استضافت سلطنة عُمان الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في مسقط في أبريل 2025 (رويترز؛ جرى التحقق عبر البحث). كما أدّت قطر ودول أخرى أدوارًا في الوساطة.
- تقنيات اللغة العربية، التي يمكن أن تحسّن أدوات الترجمة والحوار في المنطقة.
- القدرات الحاسوبية والبحثية، التي يمكن أن تدعم أعمال الإنذار المبكر الإقليمي والبيانات الإنسانية والتوثّق.
- مبادئ معلنة. يتضمن ميثاق الإمارات للذكاء الاصطناعي (2024) «التعايش السلمي» (الأصل: "peaceful coexistence") ضمن مبادئه الـ12 (البوابة الرسمية لحكومة الإمارات).
هذه إمكانات لا إنجازات، ولن نتناولها إلا حين تتحقق فعلًا.
الوجه الآخر، بصراحة
للذكاء الاصطناعي استخدامات عسكرية أيضًا، والتقنيات نفسها التي تتنبأ بالمخاطر أو تتحقق من الصور يمكن أن تُوجَّه إلى المراقبة أو الاستهداف. وحرب 2026 في المنطقة تذكير بأن البنية التحتية الرقمية نفسها قد تتعرض للهجوم (انظروا الصمود في 2026). والاعتراف بذلك ليس تشاؤمًا، بل هو ما يجعل الاستخدامات السلمية جديرة بدعم وتمويل مقصودين، بدل تركها للصدفة.
ماذا يعني هذا لكم؟
- تعاملوا بتأنٍّ مع الصور الصادمة القادمة من مناطق النزاع: تحقّقوا من المصدر وابحثوا عن التوثيق.
- إن كنتم تعملون في الإغاثة أو الإعلام أو السياسات، فالأدوات المفتوحة مثل تنبؤات VIEWS و«بيانات اعتماد المحتوى» متاحة الآن.
- ادعموا الجهود التي توسّع دائرة من يُسمع صوتهم. فالتقنية التي تساعد مزيدًا من الناس على التعبير من أكثر استخدامات الذكاء الاصطناعي بعثًا على الأمل.